مؤسسة آل البيت ( ع )
201
مجلة تراثنا
فقام القاضي من مقامه وأخذ بيد الشيخ وأجلسه معه على مسنده وقال : أنت المفيد حقا . فغاض الحاضرين فعل القاضي هذا فقال لهم : أيها الفضلاء العلماء ، إن هذا الرجل أفحمني وعجزت عن جوابه ، فمن كان عنده جواب ما ذكره فليذكره ليقوم الرجل ويرجع إلى مكانه الأول . فلما انفض المجلس شاعت القصة واتصلت بعضد الدولة ، فأرسل إلى الشيخ وسأله فحكى له ذلك ، فخلع عليه خلعة سنية ، وأمر له بفرس محلى بالزينة ، وأمر له بوظيفة تجرى له . أقول : ومن أراد نماذج من مناظراته وبحوثه الكلامية والمساجلات العلمية الجارية في مجالسه العامرة فليرجع إلى ما اختاره وجمعه من ذلك تلميذه الشريف المرتضى المطبوع باسم " الفصول المختارة من العيون والمحاسن " . وأنت ترى أن أساتذته لقبوه بالمفيد على أثر مناظراته وهو بعد في سن مبكرة قد ورد بغداد لطلب العلم . وترجم له ابن أبي طي الغساني الحلبي - المتوفى سنة 630 ه في تاريخه ترجمة جيدة مطولة ، حكي في بعض المصادر جمل منها ، فقد ترجم الذهبي للشيخ المفيد في سير أعلام النبلاء 17 / 344 وحكى عن ابن أبي طي قوله : " كان أوحد في جميع فنون العلم ، الأصلين والفقه والأخبار ومعرفة الرجال والتفسير والنحو والشعر ، وكان يناظر أهل كل عقيدة مع العظمة في الدولة البويهية والرتبة الجسيمة عند الخلفاء ، وكان قوي النفس ، كثير البر ، عظيم الخشوع ، كثير الصلاة والصوم ، يلبس الخشن من الثياب ، وكان مديما للمطالعة والتعليم ، ومن أحفظ الناس ، قيل : إنه ما ترك للمخالفين كتابا إلا وحفظه ! ، وبهذا قدر على حل شبه القوم ، وكان من أحرص الناس على التعليم ، يدور على المكاتب وحوانيت الحاكة فيتلمح الصبي الفطن فيستأجره من أبويه وبذلك كثر تلامذته ، وقيل : ربما زاره عضد الدولة ويقول له : إشفع تشفع ، وكان نحيفا أسمر ، عاش ستا وسبعين سنة ، وله أكثر من مائتي مصنف . . . مات سنة 413 ، وشيعه ثمانون